فخر الدين الرازي
510
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ينصرونهم ، وبتقدير أن ينصروا إلا أنهم لا بد وأن يتركوا تلك النصرة وينهزموا ، ويتركوا أولئك المنصورين في أيدي الأعداء ، ونظير هذه الآية قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، فأما قوله : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ففيه وجهان : الأول : أنه راجع إلى المنافقين يعني لينهز من المنافقون : ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ بعد ذلك أي يهلكهم اللَّه ، ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم والثاني : لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين . ثم ذكر تعالى أن خوف المنافقين من المؤمنين أشد من خوفهم من اللَّه تعالى فقال : [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 13 ] لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) أي لا يعلمون عظمة اللَّه حتى يخشوه حق خشيته . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 14 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) ثم قال تعالى : لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ يريد أن هؤلاء اليهود والمنافقين لا يقدرون على مقاتلتكم مجتمعين إلا إذا كانوا في قرى محصنة بالخنادق والدروب / أو من وراء جدر ، وذلك بسبب أن اللَّه ألقى في قلوبهم الرعب ، وأن تأييد اللَّه ونصرته معكم ، وقرئ جدر بالتخفيف وجدار وجدر وجدر وهما الجدار . ثم قال تعالى : بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ وفيه ثلاثة أوجه أحدها : يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض ، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن والعز يذل عند محاربة اللَّه ورسوله وثانيها : قال مجاهد : المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون : لنفعلن كذا وكذا ، فهم يهدون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان والحصون ، ثم يحترزون عن الخروج للقتال فبأسهم فيما بينهم شديد ، لا فيما بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال ابن عباس : معناه بعضهم عدو للبعض ، والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى يعني تحسبهم في صورتهم مجتمعين على الألفة والمحبة ، أما قلوبهم فشتى لأن كل أحد منهم على مذهب آخر ، وبينهم عداوة شديدة ، وهذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ فيه وجهان : الأول : أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم والثاني : لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 15 ] كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب فإن قيل : بم انتصب قَرِيباً ، قلنا : بمثل ، والتقدير كوجود مثل أهل بدر . قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول اللَّه من قولهم : كلأ وبيل أي وخيم سيئ العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ . ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال :